لا تحاسدوا . ولا تناجشوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ، ولا يبع بعضكم على بيع بعض . وكونوا ، عباد الله إخوانا .
المسلم أخو المسلم . لا يظلمه ، ولا يخذله ، ولا يحقره .
التقوى ههنا ، ويشير إلى صدره ثلاث مرات .
بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم .
كل المسلم على المسلم حرام . دمه وماله وعرضه ، صحيح مسلم .
------------------------------------------------
الراوي: أبو هريرة المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 2564 خلاصة الدرجة: صحيح
------------------------------------------------
الشرح:
لا تحاسدوا يعني : لا يحسد بعضكم بعضا ، والحسد مركوز في طباع البشر ، وهو أن الإنسان يكره أن يفوقه أحد من جنسه في شيء من الفضائل .
ثم ينقسم الناس بعد هذا إلى أقسام ، فمنهم من يسعى في زوال نعمة المحسود بالبغي عليه بالقول والفعل ، ثم منهم من يسعى في نقل ذلك إلى نفسه ، ومنهم من يسعى في إزالته عن المحسود فقط من غير نقل إلى نفسه ، وهو شرهما وأخبثهما ، وهذا هو الحسد المذموم المنهي عنه ، وهو كان ذنب إبليس حيث كان حسد آدم عليه السلام لما رآه قد فاق على الملائكة بأن خلقه الله بيده ، وأسجد له ملائكته ، وعلمه أسماء كل شيء ، وأسكنه في جواره ، فما زال يسعى في إخراجه من الجنة حتى أخرج منها
ولا تناجشوا : فسره كثير من العلماء بالنجش في البيع ، وهو : أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها ، إما لنفع البائع لزيادة الثمن له ، أو بإضرار المشتري بتكثير الثمن عليه
ولا تباغضوا : نهى المسلمين عن التباغض بينهم في غير الله ، بل على أهواء النفوس ، فإن المسلمين جعلهم الله إخوة ، والإخوة يتحابون بينهم ولا يتباغضون
ولا تدابروا: المصارمة والهجران ، مأخوذ من أن يولي الرجل صاحبه دبره ، ويعرض عنه بوجهه ، وهو التقاطع
معنى البيع على بيع أخيه : أن يكون قد باع منه شيئا ، فيبذل للمشتري سلعته ليشتريها ، ويفسخ بيع الأول
وهو -مثلا- أن يقول… لمن أراد أن يشتري سلعة بعشرة أن يعطيك مثلها بتسعة، أو لمن أراد أن يبيع سلعة بعشرة: أنا آخذها منك بإحدى عشر، وأشباه ذلك يعني: أنه يغريه بألا يشتري من أخيه، أو أن يبيع عليه، ففي هاتين الصورتين حصل بيع على بيع المسلم، وهنا حرم النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك بقوله: ولا يبع بعضكم على بيع بعض وهذا مشروط بأن الذي يعرض الشراء من هذا الذي يريد أن يبيع شيئا، أو يعرض البيع لهذا الذي يريد أن يشتري شيئا بأكثر في الأول، وأقل في الثاني، هذا مشروط بأنه حصل بين الأول، ومن يريد أن يبيعه، أو أن يشتري منه انفصال وتراض.
مثلا: يأتي إلى صاحب دكان ويقول: أنا أريد أن أشتري هذه، فيتفاصلان على أنه سيشتريها بكذا، وهذا راض، سيشتريها فيأتي أحد ويقول: تعال، أنا أعطيك مثلها بكذا وكذا بأنقص، أو أشباه ذلك، فإذا كان هناك رضا من البائع للسلعة على من يبيع عليه، أو رضا ممن يشتري، وتفاصل بينه وبين من أراد الشراء منه، أو البيع عليه، فإنه هنا يحرم أن يدخل أحد، فيتدخل في هذا المبيع إذا تفاصلا وتراضيا، وهنا يعني: تمت مقدمات العقد بالاتفاق على الثمن، والعزم على الشراء، فإنه لا يجوز لأحد أن يدخل، ونفهم من هذا أنه لو تدخل قبل أن يعقد هذا، وهذا يعني: ما دام أنه بفترة النظر انتقل من دكان إلى دكان وأشباه ذلك، فهذا لا بأس به.
فيشترط لتحريم البيع على بيع أخيه بما كان فيه تفارق بالقول، أو انفصال في القول بالعزم على الشراء، أو العزم على البيع إذا حصل العزم وأجابه البائع، أو المشتري، فإنه لا يجوز التدخل في ذلك، في أمثالها، مثل: لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه فإن المرء إذا تقدم إلى أحد خاطبا، وسمع به فلان من الناس، سمع أن فلانا خطب، فإن ردوا عليه بالرضا، فإنه لا يجوز لأحد أن يأتي ويقول: أنا أريد ابنتكم، ممن علم أنهم أجابوه ورضوا به، لكن قبل أن يجيبوه بالرضا له أن يدخل كخاطب من الخطاب، وهكذا في هذه المسألة في قوله: لا يبع بعضكم على بيع بعض
وكونوا عباد الله إخوانا: اى حققوا أخوة الدين
لا يظلمه يعني: لا يظلمه في ماله، ولا يظلمه في عرضه، ولا يظلمه في أهله، ولا يظلمه في أي أمر اختص به، بل يعدل معه، ويكون خليفته في ماله وأهله وعرضه؛ ولهذا جاءت الشريعة، وهذا من محاسنها العظيمة في أن يتحلل المرء إخوانه فيما وقع منه عليهم من المظالم
ولا يخذله لا يخذله، الخذلان: ترك الإعانة والنصرة، والمسلم ولي المسلم، يعني: محب له، يعني: أن المسلم محب للمسلم، ناصر له، وخذل المسلم للمسلم… وخذلانه له ينافي عقد المولاة الذي بينهما؛ ولهذا تضمن عقد المولاة في قوله: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ أن خذل المسلم للمسلم لا يجوز، إذا كان في مقدرته أن يعينه، وأن ينصره ولو بالدعاء
ولا يكذبه يعني: لا يقول له: أنت كاذب، وكلما أخبره بخبر قال: هذا كاذب، وأنت كاذب؛ لأن الأصل في المسلم أنه لا يكذب
ولا يحقره يعني: لا يحتقر المسلم أخاه المسلم بأن يعتقد، أو أن يأتي في خاطره أن هذا وضيع، وأن هذا أقل قدرا منه، وأن هذا مرذول، إما لأجل نسب، أو لأجل صناعة، أو لأجل بلد، أو لأجل معنى من المعاني،، بل الإسلام هو الذي رفع المسلم، وجعله مكرما مخصوصا من بين المخلوقات؛ ولهذا فإن المسلم عند الله -جل وعلا- كريم عزيز، وتحقير المسلم يخالف أصل احترام المسلم لما معه من التوحيد والإيمان، فهذا البدن الذي أمامك -بدن المسلم- يحمل عقيدة التوحيد، وحسن ظن بالله، ومعرفة بالله وعلم بالله بحسب ما عنده من الإسلام والإيمان والعلم، وهذا ينبغي معه ألا يحتقر، بل يحترم لما معه من الإيمان والصلاح
بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه دم المسلم حرام أن يسفك بغير حق، وكذلك ماله حرام أن يؤخذ بغير حق، وكذلك عرضه حرام أن ينال منه بغير حق، فالنيل من الأعراض بالغيبة والنميمة، أو أن ينال من أهل الرجل، أو من أسرته، أو أن يتصرف في ماله بغير إذنه، أو أن يأخذ ماله، أو أن يعتدي على شيء من أملاكه، وكذلك أن يعتدي على دمه، وهذا أعظمه، هذا كله حرام.
والشريعة جاءت بتحقيق هذا الأمر فيما بين المسلمين، وفي مجتمع الإسلام بأن تكون الدماء حراما، والأموال حراما، والأعراض حراما، وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي بكرة - رضي الله عنه - أنه -عليه الصلاة والسلام- قال في خطبته يوم عرفة: ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا
و الله تعالى اعلم
للمزيد
No comments :
Post a Comment