أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أخي يشتكي بطنه ، فقال : اسقه عسلا .
ثم أتاه الثانية ، فقال: اسقه عسلا .
ثم أتاه الثالثة فقال : اسقه عسلا .
ثم أتاه فقال : قد فعلت ؟
فقال : صدق الله ، وكذب بطن أخيك ، اسقه عسلا . فسقاه فبرأ ، صحيح البخاري
------------------------------------------------
الراوي: أبو سعيد الخدري المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 5684 خلاصة الدرجة: [صحيح]
------------------------------------------------
الشرح:
يشتكي بطنه: او اُسْتُطْلِقَ بَطْنه أي كثر خروج ما فيه , يريد الإسهال
صدق الله: ففى الآيات من سورة النحل
وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ( 68 ) ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ( 69 ) النحل
فبرأ: اى شفى باذن الله
قال الإمام ابن القيم رحمه الله في (الطب النبوي):
فهذا الذي وصف له الرسول صلى الله عليه وسلم كان استطلاق بطنه عن تخمةٍ أصابته عن امتلاء فأمر بشرب العسل لدفع لفضول المجتمعة في نواحي المعدة والأمعاء فإن العسل فيه جلاء ودفع للفضول.
وفي تكرار سقيه للعسل معنىً طبي بديع وهو: أن الدواء يجب أن يكون له مقدار وكمية بحسب حال الداء فلما أمر أن يسقيه العسل سقاه مقداراً لا يفي بمقاومة الداء ولا يبلغ الغرض.فلما تكرر ترداده إلى النبي صلى الله عليه وسلم أكد عليه المعاودة ليصل إلى المقدار المقاوم للداء فلما تكررت الشربات بحسب مادة الداء بريء بإذن الله.
وفي قوله صلى الله عليه وسلم (صدق الله وكذب بطن أخيك) إشارة تحقيق نفع هذا الدواء وأن بقاء الداء ليس لقصور الدواء في نفسه ولكن: لكذب البطن وكثرة المادة الفاسدة فيه.
قال العلامة الزرقاني رحمه الله:
وقوله (صدق الله وكذب بطن أخيك)
معناه أخطأ بطن أخيك حيث لم يصل لقبول الشفاء بسرعة لكثرة المادة الفاسدة فيه.
وقال العلامة الطبيب علاء الدين الكحَّال:
إن إسهال ذلك الرجل كان من تخمة أصابته وقد جاء في مسلم (إن أخي عَرِبَ بطنه) ومعناه فسد هضمه واعتلت معدته
قال الخطابي وغيره : أهل الحجاز يطلقون الكذب في موضع الخطأ , يقال كذب سمعك أي زل فلم يدرك حقيقة ما قيل له , فمعنى كذب بطنه أي لم يصلح لقبول الشفاء بل زل عنه , وقد اعترض بعض الملاحدة فقال : العسل مسهل فكيف يوصف لمن وقع به الإسهال ؟ والجواب أن ذلك جهل من قائله , بل هو كقوله تعالى : بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه
فقد اتفق الأطباء على أن المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السن والعادة والزمان والغذاء المألوف والتدبير وقوة الطبيعة , وعلى أن الإسهال يحدث من أنواع منها الهيضة التي تنشأ عن تخمة واتفقوا على أن علاجها بترك الطبيعة وفعلها , فإن احتاجت إلى مسهل معين أعينت ما دام بالعليل قوة , فكأن هذا الرجل كان استطلاق بطنه عن تخمة أصابته فوصف له النبي صلى الله عليه وسلم العسل لدفع الفضول المجتمعة في نواحي المعدة والأمعاء لما في العسل من الجلاء ودفع الفضول التي تصيب المعدة من أخلاط لزجة تمنع استقرار الغذاء فيها , وللمعدة خمل كخمل المنشفة , فإذا علقت بها الأخلاط اللزجة أفسدتها وأفسدت الغذاء الواصل إليها , فكان دواؤها باستعمال ما يجلو تلك الأخلاط , ولا شيء في ذلك مثل العسل , لا سيما إن مزج بالماء الحار , وإنما لم يفده في أول مرة لأن الدواء يجب أن يكون له مقدار وكمية بحسب الداء , إن قصر عنه لم يدفعه بالكلية وإن جاوزه أوهى القوة وأحدث ضررا آخر فكأنه شرب منه أولا مقدارا لا يفي بمقاومة الداء , فأمره بمعاودة سقيه , فلما تكررت الشربات بحسب مادة الداء برأ بإذن الله تعالى .
وفي قوله صلى الله عليه وسلم : " وكذب بطن أخيك " إشارة إلى أن هذا الدواء نافع , وأن بقاء الداء ليس لقصور الدواء في نفسه ولكن لكثرة المادة الفاسدة , فمن ثم أمره بمعاودة شرب العسل لاستفراغها , فكان كذلك , وبرأ بإذن الله .
قال الخطابي : والطب نوعان , طب اليونان وهو قياسي , وطب العرب والهند وهو تجاربي , وكان أكثر ما يصفه النبي صلى الله عليه وسلم لمن يكون عليلا على طريقة طب العرب , ومنه ما يكون مما اطلع عليه بالوحي
و الله تعالى اعلم
للمزيد
No comments :
Post a Comment